منصة عربية ليبية للرأي والتحليل

مطولات

الرجل الذي ظن أنه لا يزاح

كيف تهاوى عرش عقيلة في ساعات

قراءة في 3 دقائق

الرجل الذي ظن أنه لا يزاح
كيف تهاوى عرش عقيلة في ساعات

عندما أصدر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، في فبراير 2015، قراره التاريخي بترقية خليفة حفتر ومنحه منصب القائد العام، لم يكن يعلم أن صنيعة يديه ستكون هي الحبل الذي يلتف حول عنقه السياسي بعد عقد كامل من الزمان.

ففي ذلك الوقت، كان حفتر يفتقر إلى أي صبغة شرعية أو غطاء قانوني معترف به؛ خرج على شاشات التلفاز في فبراير 2014 ببيان أعلن فيه تجميد الإعلان الدستوري وحل المؤتمر الوطني العام، قبل أن يطلق في مايو من العام نفسه عملية الكرامة العسكرية كتحرك ميداني متمرد خارج مؤسسات الدولة. لكن عقيلة صالح، وبضربة قلم تشريعية، انتشل حفتر من مربع الخروج عن القانون، وأسس لمعادلة نفوذ كرس فيها لقواته ذراعاً لحماية البرلمان، وظن يومها أنه حجز لنفسه مقعد العراب الدائم الذي لا يمكن للرجمة أن تستغني عنه أو تتجاوز كلمته.

استند عقيلة طويلاً إلى عمقه الاستراتيجي في القاهرة، حيث حظي بدعم ورعاية دبلوماسية جعلت من خطابه معبراً عن مصالح إقليمية ترى في وجوده صمام أمان تشريعي يوازن بين القوى السياسية في المنطقة الشرقية. وبنى صالح على ذلك يقيناً راسخاً بقيمته السياسية وشبكة ارتباطات وضمانات خارجية وثيقة نسجها عبر سنوات، خيل إليه معها أنه بات رقماً يصعب تجاوزه أو فرض الإملاءات عليه في أي تسوية، وأنه يملك ترف التمرد على بوصلة القيادة العامة في الرجمة متى أراد.

تجسد هذا التصلب المشوب بالقلق في حالة التردد والارتباك السياسي التي طبعت مواقف صالح في الآونة الأخيرة؛ إذ وقع في أنقرة بياناً مشتركاً نص صراحة على التمسك بالإطار الدستوري والاتفاق السياسي، وأعلن جاهزية أنقرة لاستضافة اجتماعات لجنة «6+6» لاستكمال مهام القوانين الانتخابية. غير أنه بمجرد عودته إلى بنغازي، تبدلت النبرة بعد مهاجمته إعلامياً واتهامه بتعطيل التوافق والخروج من حالة الجمود؛ ليعلن خلال جلسة للمجلس تأييده لمخرجات لجنة الحوار المصغر «4+4»، داعياً إلى الإسراع بتشكيل حكومة موحدة تشرف على الانتخابات ومحذراً من انهيار المؤسسات. واعتبر صالح أن صيغة «4+4» تتوافق مع مخرجات «6+6»، مؤكداً وفاء البرلمان بالتزاماته بإصدار القوانين الانتخابية، كالسماح للعسكريين بالمنافسة واشتراط تنازل مزدوجي الجنسية عنها قبل أداء اليمين الدستورية.

لكن ما أظهره صالح في العلن كاستجابة سياسية، كان يخفي وراءه مناورة لتعطيل جوهر ما طرحه المستشار الأمريكي مسعد بولس ضمن روح المبادرة الأمريكية لتسوية الأزمة؛ إذ استشعر صالح أن الترتيبات الجديدة ستنتزع منه مفاتيح التحكم بالمناصب السيادية وتشكل سلطة تنفيذية تتجاوزه بالكامل. 

هذا التعطيل فجر تململاً واسعاً داخل مجلس النواب؛ فتحركت كتلة برلمانية وازنة محسوبة على صدام نجل حفتر، عازمة على كسر عقيلة، وحين حاولت هذه الكتلة عقد جلسة في بنغازي،  انتشرت قوات مسلحة تابعة للواء خالد حفتر، طوقت المقر ومنعت النواب بالقوة من الاجتماع، في خطوة كشفت انتقال الخلاف من ساحات التفاوض السياسي إلى فوهات البنادق.

أماط هذا التدخل الأمني اللثام عن انقسام حاد وصراع أجنحة داخل البيت الداخلي للرجمة ذاتها؛ فبينما اصطف خالد حفتر وشقيقه بلقاسم حفتر (رئيس صندوق تنمية وإعمار ليبيا) في خندق واحد لحماية عقيلة صالح لضمان استمرار الغطاء التشريعي الذي يشرعن مشاريع الإعمار ويمرر ميزانياتها، كان شقيقهم اللواء صدام حفتر يسبح في اتجاه مختلف تماماً.

انخرط صدام، صاحب الطموح السياسي الأكبر، في تفاصيل تفاهمات مبادرة بولس الدولية التي تفتح أمامه طريق الوصول إلى رئاسة المجلس الرئاسي، وهو طموح يتطلب تفكيك حالة الاستعصاء وإزاحة حجر العثرة الأكبر المتمثل في عقيلة صالح. وهكذا انقطعت الخيوط فجأة من داخل البيت التشريعي ذاته؛ فما إن لاحت فرصة الالتفاف على الحصار حتى عُقدت جلسة برلمانية عاصفة صوتت على تغيير رئاسة مجلس النواب، أعقبتها جلسة تالية بايعت الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس، لتسقط مطرقة البرلمان في بنغازي.

يجد عقيلة صالح نفسه اليوم محاصراً بالمعادلة التي بناها بيده؛ فالحصانة القبلية والتحالفات الخارجية لم تكن كافية لصد رياح التغيير. وبصعود الصالحين عبد النبي، طويت صفحة الهيمنة الفردية، ليتحول المستشار من مهندس لشرعية الرجمة إلى ضحية لصراع أبنائها على وراثة الحكم.