منصة عربية ليبية للرأي والتحليل

مطولات متابعات

أبواب المدارس موصدة

القصة الكاملة لأزمة إضراب المعلمين في ليبيا

قراءة في 4 دقائق

أبواب المدارس موصدة

للأسبوع الخامس على التوالي، ما تزال أبواب المدارس موصدة في مختلف أنحاء ليبيا، في ظل تصعيد نقابي واسع وإضراب شامل يقوده المعلمون للمطالبة بتسوية مرتباتهم وإقرار حقوقهم المالية. ومع انقضاء أكثر من شهر على الموعد المفترض لبدء العام الدراسي، تدخل الأزمة مرحلة حرجة تضع المنظومة التعليمية برمتها في مأزق غير مسبوق، فكيف بدأت هذه الأزمة؟ وما العوامل التي فاقمتها حتى وصلت إلى هذا الانسداد؟

تعود جذور الأزمة إلى عام 2018 حين أقر مجلس النواب القانون رقم أربعة، كتشريع يمنح المعلمين زيادة في المرتبات، وعلاوة تدريس بنسبة 15%، إلى جانب تأمين صحي شامل ومكافآت نهاية الخدمة. غير أن هذا القانون ظل حبيس الأدراج لثلاث سنوات بذريعة الأزمة المالية والانقسام السياسي، حتى اضطرت الحكومة في خريف 2021 إلى بدء صرف الزيادة، لكنها قفزت على استحقاق جوهري تمثل في فروقات الأثر الرجعي الممتدة من نهاية 2018 حتى سبتمبر 2021، لتتحول تلك الحقوق إلى ملايين الدنانير من الديون المعلقة في ذمة الخزانة العامة، وظلت محتجزة دون أي أفق أو جدول زمني لصرفها.

ومع نهاية عام 2022 ومطلع 2023، طرحت الحكومة ما عرف بجدول المرتبات الموحد، تحت شعار معالجة التفاوت المالي بين موظفي الدولة، غير أن تطبيقه شكل انتكاسة حقيقية لقطاع التعليم؛ إذ جرد المعلمين من خصوصيتهم المهنية ومزاياهم التي نص عليها القانون رقم (4)، مساوياً بين من يقف ساعات طوالاً داخل فصول مكتظة وموظفي المكاتب الإدارية النمطية، وامتد الأمر إلى تعثر إدراج آلاف المعلمين في المنظومة الجديدة لأشهر مقارنة بقطاعات أخرى، لتتراكم على الدولة مستحقات مؤجلة جديدة باتت تعرف في الأروقة النقابية بفروقات 2023

تزامن هذا التخبط الإداري مع أزمة تضخمية، لاسيما بعد فرض الرسوم والضرائب على مبيعات النقد الأجنبي، ما تسبب في تراجع القيمة الشرائية للدينار في السوق الموازية، وشح السيولة في المصارف، جعل المرتبات مجرد أرقام بلا قيمة واقعية.

جاء الاعتصام هذا العام مدفوعاً بحزمة مطالب وضعها المعلمون على طاولة الحكومة بوصفها كلاً لا يتجزأ. جاء في مقدمتها تصحيح مسار الأجور عبر إقرار علاوة تمييز مهني مجزية تعوض المزايا المهدورة، أو استثناء التعليم كلياً من الجدول الموحد أسوة بالقطاعات ذات الكوادر الخاصة، بالتوازي مع وضع جدول زمني ملزم لصرف كافة الفروقات التراكمية عن سنوات تطبيق القانون وفروقات عام 2023 دون تسويف. كما شدد الحراك على ضرورة تفعيل منظومة تأمين صحي حقيقية تنهي البطاقات الصورية التي ترفضها المصحات، وتسوية الترقيات والدرجات الوظيفية المعطلة مع الإفراج المالي عن عقود آلاف المتعاونين، وصولاً إلى إنصاف الموظفين الإداريين ورفع مرتبات المتقاعدين.

والمفارقة الأبرز في هذا الحراك تجلت في تجاوزه لكل خطوط الانقسام السياسي والجغرافي التقليدية، إذ اصطفت المدارس من طرابلس والزاوية ومصراتة في الغرب، إلى بنغازي والبيضاء وطبرق في الشرق، وصولاً إلى سبها وغات في أقصى الجنوب.

وفي محاولة لكسر هذا الطوق النقابي، تحركت الحكومة لعقد لقاءات تفاوضية مع قيادات النقابة العامة للمعلمين، أفضت إلى الإعلان عن تفاهمات وصفتها بالإيجابية، تلتها دعوة لإنهاء الإضراب واستئناف الدراسة فوراً. غير أن هذا الإعلان فجر انقساماً حاداً وغير مسبوق داخل جسد الحراك نفسه، إذ سرعان ما قوبل بيان النقابة برفض عارم من المعلمين في مختلف البلديات، الذين اعتبروا مخرجات التفاوض التفافا على جوهر مطالبهم، مجددين رفضهم القاطع للبقاء تحت مظلة جدول المرتبات الموحد دون ضمانات مالية نافذة وممولة. وأمام هذا التمرد الميداني ضد قيادة النقابة، سقط الاتفاق الحكومي في مهده، ليعلن المعلمون من منصات اعتصاماتهم العودة إلى المربع الأول وتجديد الإضراب العام، موصدين أبواب الفصول من جديد.

غير أن المنعطف غير المتوقع في مسار الأزمة تجلى في دخول المؤسسة الأمنية على خط الأزمة لأول مرة، إذ أصدر جهاز الأمن الداخلي بياناً شديد اللهجة توعد فيه باتخاذ إجراءات حازمة ضد من يثبت تورطه في إغلاق المدارس ومراقبات التعليم بالسلاسل الحديدية أو محاولة تعطيل الدراسة، محذراً مما وصفه بـاستغلال حراك المعلمين لأغراض سياسية.

وفي خضم هذا الانسداد، دخل مجلس النواب على خط الأزمة بطرح مقترح تسوية تشريعي يقضي بجدولة صرف الفروقات المالية المتراكمة لقطاع التعليم على أربع سنوات متتالية. غير أن هذا الطرح قوبل بفتور ورفض واسع من المعلمين المعتصمين.

ويبقى ملف اعتصام المعلمين في ليبيا أزمة بنيوية مركبة تتجاوز حدود النزاع المالي والوظيفي، لتضع المنظومة التعليمية ومستقبل أكثر من مليوني طالب أمام تحد وجودي حقيقي. فالارتباط بين الاستقرار المعيشي والمهني للمعلم وجودة المخرجات التعليمية للطالب يمثل علاقة طردية، إذ يتعذر عملياً بناء بيئة تربوية مستدامة وكفاءة تدريسية متكاملة في ظل كادر تعليمي يعاني من تآكل قدرته الشرائية وغياب الأمان الصحي والوظيفي.