منصة عربية ليبية للرأي والتحليل

مطولات متابعات

الدينار على أعتاب العشرة

معركة خاسرة أمام السوق الموازية والإنفاق الموازي

قراءة في 5 دقائق

الدينار على أعتاب العشرة

على أعتاب حاجز العشرة دنانير، يقف الدينار أمام منعطف تاريخي حرج في تداولات السوق الموازية، مسجلاً أدنى مستوياته هذا العام بعدما لامس الدولار حدود تسعة دنانير وخمسة وثمانين قرشاً. هذا الرقم المتصاعد خلف شاشات الصرف تحول إلى صدمة يومية تعصف بالأسواق والمحال التجارية، حيث قفزت أسعار السلع، وبات المواطن يدفع من قدرته الشرائية المتآكلة ثمن انقسام سياسي ومالي مستمر.

في قلب هذا المشهد المتأزم، يجد مصرف ليبيا المركزي نفسه محاصراً بين نارين، نار المضاربات المتوحشة في السوق الموازية، ونار الضغوط السياسية المتصاعدة التي تسعى لتحويل خزينته إلى أداة تمويل مفتوحة لمشاريع ونفقات متنافسة. ومع وصول الأزمة إلى ذروتها، تجددت التساؤلات حول حدود قدرة السياسة النقدية على حماية العملة، ومدى إمكانية إنقاذ الدينار في ظل غياب أي انضباط للسياسة المالية للدولة.

بدأت خيوط التحول الكبير في شهر أبريل، حين خيمت أجواء من التفاؤل على المشهد الاقتصادي عقب الإعلان عن توقيع اتفاق تاريخي لإقرار أول ميزانية موحدة للدولة منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً. بدا الاتفاق في حينه خطوة محورية لإنهاء فوضى التمويل الموازي، وتوحيد قنوات الإنفاق العام بين الشرق والغرب، وتطويق الانقسام المالي الذي أرهق الاقتصاد لسنوات طويلة. تفاءلت الأوساط المصرفية والتجارية بإمكانية استعادة التوازن، كما استجابت السوق الموازية سريعاً بحالة من الانفراج النفسي، إذ تراجع سعر صرف الدولار أمام الدينار ليكسر حاجز الثمانية دنانير هبوطاً، مسجلاً سبعة دنانير وتسعين قرشاً.

وسرعان ما تبددت تلك الآمال، واصطدمت التفاهمات المكتوبة بحسابات النفوذ الميداني، إذ تحولت الميزانية الموحدة إلى هدنة هشة سرعان ما انفرط عقدها تحت وطأة الصرف الموازي خارج الأطر المتفق عليها. عادت مراكز القوى شرقاً وغرباً إلى ممارسة ضغوط مكثفة على إدارة المصرف المركزي لانتزاع سيولة وتغطيات مالية إضافية لصالح موازنات موازية وعقود إنفاق غير معتمدة. وجد المصرف نفسه مجدداً أمام مطالب تمويلية متضاربة تتجاهل تحذيرات مجلس الإدارة المتكررة بضرورة كبح التوسع غير المدروس، وتجنب استنزاف الاحتياطيات النقدية بالعملة الصعبة. أفرز هذا التوسع في الإنفاق ضخ كتل نقدية هائلة بالدينار داخل الأسواق دون وجود مقابل إنتاجي أو اقتصادي حقيقي. هذه السيولة الفائضة، المتداولة خارج المنظومة المصرفية الرسمية والخاضعة لسيطرة كبار التجار والمضاربين، تحولت إلى قوة دفع عاتية تغذي طلباً مستمراً على شراء العملة الصعبة، ما سرع وتيرة انهيار الدينار وجفف القنوات الرسمية من النقد الأجنبي. وتجاوز هذا الاستنزاف حدود بنود الصرف الحكومي ليمتد نحو دعم المحروقات والسلع التموينية المستوردة بالدولار، والتي تحولت إلى مسار مفتوح يبتلع عوائد النفط الشحيحة. إذ ينتهي جزء واسع من المحروقات والبضائع المدعومة إلى شبكات التهريب المنظم العابر للحدود البرية والبحرية، لتستفيد منها أسواق الجوار دون أن يلمس أثرها الاقتصاد المحلي، ما عمق عجز ميزان المدفوعات، وحرم الخزانة العامة من موارد استراتيجية كان الأولى توجيهها لحماية القوة الشرائية للدينار.

وأمام هذا الاختناق المالي، والانسداد السياسي، وغياب أي دعم مؤسسي لحماية العملة، فاجأ المحافظ ناجي عيسى المشهد الاقتصادي والسياسي في التاسع من أغسطس بتقديم كتاب رسمي إلى رئيسي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، معتذراً فيه عن مواصلة مهامه ومتمسكاً بالاستقالة من منصبه. وجاءت الرسالة مقتضبة وخالية من سرد التفاصيل مراعاة لحساسيتها، في تعبير واضح عن وصول إدارة النقد إلى طريق مسدود، بعدما استشعرت المؤسسة أن استقرار العملة بات رهناً لقرارات تقع خارج صلاحياتها. كشفت كواليس تلك الاستقالة أن الخطوة كانت رد فعل مباشر على اشتداد الضغوط لانتزاع أموال إضافية واستمرار الإنفاق الموازي، وتجاهل الأطراف الفاعلة للمخاطر الداهمة التي تهدد ما تبقى من رصيد الاحتياطيات. غير أن المخاوف من حدوث فراغ نقدي ومؤسسي شامل قد يعصف بالاستقرار الهش للبلاد دفعت نحو وساطات مكثفة، أدت إلى عدول المحافظ عن قراره بصورة مشروطة، مطلقاً مساراً إسعافياً جديداً حاول من خلاله إعادة ضبط البوصلة النقدية.

ارتكز المسار الجديد على استئناف ضخ السيولة في فروع المصارف التجارية لإنهاء أزمة الطوابير، وتفعيل مخصصات النقد الأجنبي للأغراض الشخصية، وتوسيع نطاق الاعتمادات المستندية، أملاً في إعادة بناء الثقة وامتصاص المضاربات وردم الهوة المتسعة بين السعرين الرسمي والموازي. وتوجت هذه الجهود أواخر سبتمبر بإعلان المركزي حزمة تدابير نقدية محورية استهدفت تسهيل التدفقات المالية للمصارف وتوفير العملة الصعبة لتغطية الطلب الفعلي، واضعة هدفاً معلناً ومباشراً يتمثل في كسر حدة المضاربة ودفع سعر صرف الدولار للهبوط إلى ما دون تسعة دنانير. ورغم هذه الحزم النقدية المعلنة والضخ المتواصل، سلكت السوق الموازية مساراً معاكساً تماماً، إذ واصل الدينار انحداره، متجاهلاً تدخلات المركزي، ليكسر حواجز سعرية جديدة ويقترب مجدداً من مستويات قياسية حول تسعة دنانير وخمسة وثمانين قرشاً. كشف هذا العجز الميداني حقيقة اقتصادية راسخة، أن الأدوات النقدية المنفردة، مهما بلغت دقتها ومرونتها، تظل عاجزة عن لجم السوق السوداء متى ما استمر تدفق كتل نقدية غير شرعية وضغوط طلب حكومي تفوق طاقة التدخل المصرفي المتاح.

أعادت هذه الانتكاسة الأزمة إلى مربعها الأول، حيث كشفت مصادر مسؤولة داخل المصرف المركزي في صبيحة الثالث عشر من أكتوبر،  عن تجدد الضغوط المكثفة من أطراف نافذة في الشرق والغرب لانتزاع تمويلات وأموال إضافية، مترافقة مع رفض للاستجابة لمطالب المحافظ ومجلس الإدارة الداعية إلى الحد من الإنفاق وإدراك خطورته على الوضع المالي العام وسعر الصرف. وأمام تجدد هذا الحصار، عاد المحافظ للتمسك مجدداً بطلب الاعتذار عن منصبه، في ظل غياب أي مساندة واضحة من مؤسسات الدولة لجهود المصرف، واستمرار نزيف العملة الصعبة في تهريب السلع والمحروقات، ومواصلة التوسع غير المدروس في الصرف دون دراسة تحاكي الواقع الاقتصادي للبلاد. وأكد المصرف في تعميم صحفي مواقفه الأخيرة أنه يرفض أن يتحمل فشل غيره، مشدداً على أن العوامل الحاكمة لاستقرار سعر الصرف أصبحت كلياً خارج اختصاصه وصلاحياته النقدية.

تؤكد هذه المحطات المتلاحقة أن معركة إنقاذ الدينار تجاوزت حدود الإجراءات المصرفية وقاعات التداول، فاستقرار العملة أضحى مشروطاً بإصلاح مالي وسياسي جذري وشامل. يتطلب هذا الإصلاح إقرار ميزانية موحدة حقيقية تلزم الجميع دون استثناء، ووقف نزيف دعم المحروقات ومحاربة شبكات التهريب المنظم، وتحييد المصرف المركزي تماماً عن الصراعات السياسية ليبقى مؤسسة نقدية مستقلة قادرة على حماية مقدرات البلاد وصون استقرارها المعيشي.

المزيد من إسناد

كل مواد الكاتب