
جاس الدكتور أحمد فال الدين خلال تراث أبي عثمان، فطارد عمرو بن بحر في جميع أحواله، وتابعه في أدق تفاصيل أفكاره وفلسفاته، فتعمقت معرفته به حتى كأنما يماشيه في دروب البصرة، ويجالسه في مجالس المتكلمين، ويضاحكه عند ملاقاة “أهل الاقتصاد والإصلاح”. لذلك، فليسمح لي الدكتور أن ألقبه من الآن “الجاحظ الصغير”، قبل أن أعلق على كتابه الأخير الموسوم بـ “مرايا أبي عثمان – صورة الأقوام والأديان في تراث الجاحظ”.
بلغة عربية عالية السبك، ضاربة في التاريخ، وناطقة بلسان العصر، يأخذك الجاحظ الصغير في رحلة فكرية وأدبية ممتعة، تبدأ بالتعريف بما يسميه “المصهرة الثقافية” في البصرة التي نشأ فيها أبو عثمان في عز الدولة العباسية.
أدت تلك الفسيفساء الثقافية إلى ملاحظة الفروق والتشابه بين مكوناتها المختلفة التي كانت جل أعراق البشر ممثلةً فيها، ربما باستثناء العرق الأصفر (الصين واليابان وأمثالهما)، فرصد الجاحظ الصغير سمات الآخر القومي عند أبي عثمان في الفصل الأول من الكتاب، فكانت “الأمم المذكورة” أربعةً: العرب، والفرس، والروم، والهنود، ومن سواهم “همج، وأشباه همج”. ويستند الجاحظ في تصنيفه إلى ما عُلِم من إسهام الأقوام وثقافاتهم في التطور المعرفي والحضاري في زمنه.
جغرافيا الحكمة
قبل أن ينبري لنا دعاة “حقوق الإنسان” المعاصرون، نذكرهم بضرورة التقيد بمقاييس العصر والبيئة في محاكمة الظواهر الاجتماعية والسياسية. وإن كانوا لا بد فاعلين، فليبدؤوا بعروض الأفارقة والآسيويين في أقفاص الحيوانات في محيط برج إيفل بباريس في القرن التاسع عشر، كما نقلها ابن الصفار في رحلته1انظر على سبيل المثال، رحلة الصفار إلى فرنسا (1845 – 1846)، تأليف د سوزان ميلر وتعريب خالد بن الصغير، دار السويدي 2007..
على أن أبا عثمان يؤمن بتساوي البشر من حيث هم بشر، ولدوا أحراراً، ولكن تفاوتهم -أفراداً وأمماً- في رقي السلم الاجتماعي والحضاري من كسبهم وعلى قدر هممهم وسعيهم، وأحياناً بالحظ والبيئة المحيطة بهم. وهذه النظرة تؤكدها نواميس الطبيعة، وقد تواتر عليها علماء الأمة وشعراؤها؛ مثل: “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”، و”ما المرء إلا حيث يجعل نفسه”، وصولاً إلى ما قرره الدهلوي في كتابه “حجة الله البالغة”2حجة الله البالغة، تأليف الشيخ شاه ولي الله الدهلوي، تحقيق السيد سابق، دار الجيل 2005. تتلخص الفكرة الرئيسة في الكتاب: يتكون الإنسان من عنصري الطين والروح ويجمعهما عنصر ثالث هو العقل. فإذا اختار الإنسان تزكية روحه بالفضائل سما إلى درجة الملائكة أو جاوزها وإذا اختار جانب الطين هبطت به شهواته وغيه إلى مرتبة البهائم أو أسفل منها..
هذه مقتطفات تجريبية من مقال نُشر كاملًا في متراس. اقرأ المقال كاملًا في متراس.


