
قالت العرب “رُبَّ قولٍ أنفذُ من صول”، فما بالك إن كان القول فكاهةً ابتدعها خصمُك لتخترقَ وعيك تحت ستار الفكاهة وتُوهِمُك بأنَّ هزيمتَك حتمية. أما أنت، فقد تلقّيتها ضاحكاً جاهلاً مصدرها ثمّ قَبِلتَها حقيقةً مُسلَّمة. هذا، بإيجازٍ شديد، ما تفعله بعض الدول عبر توظيف الفكاهة في حروبها النفسيّة، وهو أمرٌ سائدٌ في عوالم السياسة والمال وغيرهما، فبعض الأحزاب تُوظِّفُه في معاركها الانتخابية، وقد تمارسه الشركات في منافساتها التجاريّة أيضاً.
أينما ولّيت هاتفك الذكي فثمَّ من يحاول أن ينتزع منك ضحكةً ما. جحافل من الـ”ميمز” والـ”إفيهات” وصور الكاريكاتير ومقاطع الفيديو المركّبة أو المولّدة عبر الذكاء الاصطناعي؛ هدفها واحد: لفت انتباهك.
وكأنّ روح هذا العصر تطوف حول كعبة الفكاهة، مكة جديدة نلجأ إليها فرادى وجماعات، ربما هرباً من واقعٍ مؤلمٍ يرخي ظلاله على منطقتنا، أو بحثاً عن منفعةٍ سريعةٍ تحقن عقولنا بنواقل الدوبامين وأخواته هاربين من ضجر حيواتنا اليومية، فلا غرابة اليوم أن نسمعَ أحدهم مُستلهماً ديكارت يقول: أنا أضحك.. إذاً أنا موجود.
في كتاب “علم نفس الفكاهة” الصادر بترجمته العربية في سلسلة “عالم المعرفة”، كتب المترجم في مقدمته هامشاً يقول فيه إنَّ “الفكاهة إحدى الآليات المهمة في الحروب النفسيّة أو ما يُعرف اصطلاحاً بحروب الجيل الرابع والخامس والسادس”. ففي حروب الجيل الرابع، والتي يُميّزها انخراط الجماعات المتمردة أو الفاعلين من غير الدول بها، تُوظّف الفكاهة أداةً في حروب المعلومات والصراع على الشرعية. أما حروب الجيل الخامس فتُوظّف الفكاهة في الصراعات الدائرة حول السرديات وإدارة إدراك الآخرين والسيطرة على ما يعرفونه. وفي حروب الجيل السادس التي توظّف الذكاء الاصطناعي للتلاعب بالحقائق وتزييف الوقائع، يمكن تصوير أحدهم بقالب كوميدي على أنه قال كلاماً لم يقله في الواقع، وهو ما يُطلق عليه اصطلاحاً بالزيف العميق. أي أنّك قادرٌ على أن تجعل من أحدهم أضحوكةً أمام الجماهير على أمرٍ لم يقله أو لم يفعله.
اقرؤوا المزيد: الـ”ميمز”.. تحدّي الكآبة وتسخيف السلطة
هذه مقتطفات تجريبية من مقال نُشر كاملًا في متراس. اقرأ المقال كاملًا في متراس.


